مشروع الثالثة والعشرون - (12) جاهزة؟

جاهزة؟

جاهزة.. جاهزة .. جاهزة

 


جاهزة نبدأ السباق؟ جاهزة نعدي الشارع؟ جاهزة نتحرك؟
الكثير من التأكيدات إذا كنت جاهزًا للقيام بشيء أم لا، بعيدًا عن الجميع، يتغافلون عن الإجابة الفعلية للسؤال، وفي جميع الأحوال سيجعلونك تبدأ حتى وإن لم تكن مستعدًا. ولكن مجرد سؤال يتم طرحه من باب الأدب، أني سأبدأ شيئًا ستخوضه أنت معي. أيًّا كان رأيك، ففي النهاية أن تكون في الجهة الأخرى من الطريق أمر ضروري حتى تصل إلى المكان المراد، وأن تأخذ الإبرة أمر أساسي حتى تُشفى. هل أدركت الآن أنه مجرد سؤال من باب الأدب ليس إلا؟

وفي يوم، وأنا أبلغ من العمر سبعة عشر عامًا، رأيت السؤال بطريقة أخرى عندما طرحه علي معلم الجغرافيا، محمود رياض، وأنا في الثانوية العامة، وفي القاعة الفارغة التي لم يصل طلبتها بعد، سألني: "جاهزة تبدأي التيرم الثاني؟"
أجبته: "وَهتفرق في إيه مستعدة ولا لا؟ يعني التيرم هيتأجل لو أنا مش مستعدة؟"
فأجاب: "لا، مش هيتأجل، بس في كل خطوة مش هتبقي قادرة تعمليها أو هتكون تقيلة عليكِ عشان من البداية مكنتيش مستعدة."
فسألته: "وأعمل إيه عشان أبقى مستعدة؟"
جاء السؤال في عقلي ولم أسأله، فكنت أكره النصيحة. لكن هذه المحادثة أضاءت لي لمبة، لمبة الاستعداد التي علينا أن ننيرها داخلنا قبل أن نخرج للعالم وقبل أن نبدأ في أي شيء.

دارت هذه المحادثة وأنا بعمر السابعة عشر، لكنها باتت تزورني كلما كان علي الاستعداد لأي شيء جديد أو شيء ليس بالسهل فعله.
تذكرت المحادثة بعد ست سنوات، في صباح يوم إجراء رسم عصب على يدي اليسرى. حين بدأت أتوتر ولم يكن هناك من يأتي معي أو أحدثه، فحاولت استعادة المحادثة والاستعداد، لكن محاولاتي باءت بالفشل. لم أستطع أن أستعد هذه المرة على الإطلاق. فما كان بيدي إلا أن أخذت سيارتي وذهبت إلى المركز وحدي في المكان المزدحم الذي يصعب أن تصف سيارتك فيه، بل وتشعر وكأن عيون الناس تحاصرك. وصلت وكنت أمام الغرفة المطلوبة قبل الوقت بدقيقة، ولكن بالطبع لم أدخل في ميعادي، وانتظرت. أمقت الانتظار، بالأخص الانتظار في العيادات والمستشفيات. لكن كان علي الانتظار، وهو الأمر الذي لم أكن مستعدة له على الإطلاق. لم أستطع القراءة ولا النظر في الهاتف بلا أي سبب، وبدأت أشعر أني أريد البكاء، أريد الصراخ. فبدأت بإرجاع رأسي إلى الوراء في محاولة لتهدئة نفسي. إلى أن نُودي على اسمي، فقمت من مقعدي ودخلت إلى الغرفة في محاولة للثبات، قلت صباح الخير بابتسامة خفيفة، وبدأت بتجهيز وضعي ملابسي بالشكل اللائق.
قالت لي الدكتورة: "ستشعرين بنغزات كهرباء." الأمر الذي لم أكن أعلمه، وحين علمته في الداخل لم أستطع الاستعداد له، وبدأ جسدي ينتفض.

لا أعلم ما الذي دار بعقلي في هذا الوقت، ولكن الكثير مما لا أذكره. لكن ما أذكره أني كنت وحدي، بالأخص حين سألتني الممرضة: "هل معكِ أحد بالخارج؟" أجبت أني وحدي، وبدأت بالبكاء. فقالت لي: "أنا معكِ." وبدأت تحتضنني، وكنت أضغط على يدها بشدة. وهنا بدأت أشعر أني مستعدة للنغزات الكهربائية. أدركت في هذا اليوم شيئًا هامًا: هناك بعض الأشياء في هذا العالم لن تكون مستعدًا للقيام بها وحدك، وربما تحتاج إلى آخر حتى تكون مستعدًا لها، وهناك أشياء لن تكون مستعدًا لها أبدًا.

أدركت أن معلمي كان على حق: الاستعداد يجعل الأمر أسهل وأقل ألمًا. لكن ما تعلمته هو أننا لن نكون مستعدين لكل الأشياء... على الأقل وحدنا.

Comments

Popular posts from this blog

مشروع الثالثة والعشرون - (22) أن تبدأ من جديد

مشروع الثالثة والعشرون - (17) كن صديقي

مشروع الثالثة والعشرون (23) - ماذا يعني أن تتكب؟